جمعية البنوك اليمنية - صنعاء بتاريخ: 2026/08/26
بينما يلوح بنك "مورغان ستانلي" ببارقة أمل تعيد الاعتبار للبورصة المصرية، تقف العملة المحلية على حافة جديدة باقتراب الدولار من عتبة الـ 51 جنيهاً. طفرة تاريخية في تحويلات المغتربين وأموال ساخنة تتدفق على أدوات الدين، ولكن.. هل هي طوق نجاة حقيقي أم مجرد مسكنات مؤقتة؟ وسط تناقضات السوق وضغوط التضخم، تتكشف معادلة كبرى: المعركة لم تعد في كيفية "جلب" الدولار، بل في بناء اقتصاد قادر على "إنتاجه" وتوليده من رحم المصانع وأسواق المال.
تراجع بنك مورغان ستانلي عن نظرته السلبية للبورصة المصرية، متوقعاً تحسناً في قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، مدعوماً بطفرة تحويلات المغتربين (47.3 مليار دولار)، وصمود السياحة، ومرونة سعر الصرف.
وفي المقابل، يتعرض الجنيه لضغوط دفعت الدولار نحو مستويات 50.8 إلى 51 جنيهاً، متأثراً بارتفاع أسعار النفط، وتكلفة الدين، ومعدلات التضخم.
وأكد البنك أن تحسن الدولار في السوق يرجع إلى زيادة تحويلات المصريين بالخارج في طفرة بلغت 47.3 مليار دولار، متوقعاً أن زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة (الأموال الساخنة) إلى ما بين 13 ملياراً إلى 15 مليار دولار ستعمل على جسر الفجوة التمويلية التي تواجه الحكومة مع ارتفاع أسعار النفط.
قالت خبيرة أسواق المال حنان رمسيس لـ"العربي الجديد" إن ما أظهره بنك مورغان ستانلي من تراجع، جاء بعد أسابيع من تهديده برفع البورصة المصرية من قوائم الأسواق الناشئة، لافتة إلى أن سوق العملات الصعبة تشهد ضغوطاً في الطلب على الدولار مع بداية موسم العودة للأعمال بعد إجازات الصيف عالمياً وزيادة الطلب المحلي لمواجهة احتياجات الدولة والموردين وشركات الإنتاج، ليبقي سوق المال هو المرآة الكاشفة لتحركات العملة وسعر الصرف.
أكدت رمسيس أن مصر لم تعد تبحث عن الدولار بالطريقة نفسها التي حكمت المشهد الاقتصادي خلال السنوات الماضية. فبعد قفزة غير مسبوقة في تحويلات المصريين بالخارج، وتحسن توقعات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتراجع مخاطر التمويل الخارجي وفق رؤية مورغان ستانلي، أصبح السؤال الآتي أكثر أهمية: كيف تستخدم مصر الدولار الذي يدخل إليها لإنتاج دولار جديد؟
في وقت يرى فيه مورغان ستانلي أن قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية أصبحت أفضل بفضل ارتفاع التحويلات وصمود السياحة وتحسن آفاق الاستثمار الأجنبي ومرونة سعر الصرف.
وفي أسوأ سيناريو يفترض ارتفاع متوسط سعر النفط إلى 88 دولاراً للبرميل، يقدر البنك أن الفجوة التمويلية الخارجية لمصر خلال العام المالي 2026/2027 ستبلغ نحو 3 مليارات دولار فقط، بعد احتساب التمويلات المجدولة من المؤسسات متعددة الأطراف.
أضافت خبيرة سوق المال: "هنا تظهر ثلاثة دولارات في قلب المعادلة المصرية، أولها دولار يأتي من المصريين بالخارج، ثم دولار يأتي في صورة استثمار أجنبي، ودولار ثالث تريد مصر أن تجذبه إلى البورصة والشركات بدلاً من أن يظل موجهاً أساساً إلى أدوات الدين أو شراء الأصول".
ورأت رمسيس أن استمرار التدفقات من المغتربين لا ينبغي اعتباره أمراً مضموناً إلى الأبد، في ظل التغيرات التي تشهدها أسواق العمل الخليجية، حيث يجري إنهاء عقود عمل المصريين بكثافة، لذلك رأت رمسيس أن الاستفادة الحقيقية من التحويلات لا تتوقف عند دخول الدولار إلى الجهاز المصرفي، بل تمتد إلى تحويل جزء من هذه السيولة الدولارية إلى استثمار منتج بالدولار.
وقالت رمسيس إن الاستثمار الأجنبي يصبح منتجاً عندما يذهب إلى إنشاء مصانع، وتوطين صناعات مثل الدواء والتكنولوجيا وقطع غيار السيارات، مشيرة إلى فرص التعاون الصناعي مع الصين وفرنسا وغيرها، ومشددة على أنها لا ترى حتى الآن تحولاً واسعاً بهذا الاتجاه، معتبرة أن الجزء الأكبر مما يظهر أمامها يرتبط بشراء أصول قائمة.
وتذهب الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي خطوة أبعد، معتبرة أن مصر خلال العقود الثلاثة الماضية ركزت بدرجة أكبر على تحرير الأسواق وفتحها أمام المنافسة الأجنبية، دون أن توازي ذلك بتأهيل الصناعة المحلية بالقدر الكافي للاستفادة من اتفاقيات التجارة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية.
في محادثة مع "العربي الجديد"، رأت المرشدي أن الطريق الأكثر استدامة لتوليد العملة الصعبة يمر عبر إعادة بناء القدرة الصناعية وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتطوير المصانع وتوطين مستلزمات الإنتاج وإحلال الواردات بمنتجات مصرية، مع ربط الحوافز الحكومية بزيادة المكون المحلي والتصدير.
وأكدت أن الاستثمار الأجنبي الذي تحتاجه مصر ليس فقط الاستثمار الذي يشتري أصلاً قائماً، بل الاستثمار الذي ينشئ مصنعاً وينقل تكنولوجيا ويزيد الإنتاج ويصدر إلى الخارج، لأن هذا النوع من الاستثمار يوفر الدولار مرة، ثم يستطيع المصنع نفسه توليد المزيد من الدولارات عبر الصادرات.
تلتقي رؤية المرشدي المنتمية إلى حزب الوفد الليبرالي مع ما تطرحه رمسيس ذات التوجه اليساري، في أن المشكلة ليست في الحصول على الدولار فقط، بل في بناء اقتصاد يستطيع إنتاجه.
وتركز رمسيس على أنه إذا كانت التحويلات والاستثمار المباشر يمثلان مصدرين أساسيين للعملة، فإن المصدر الثالث أكثر تقلباً، وهو أموال المحافظ الأجنبية في البورصة، مذكرة بأنه رغم تحسن وضع مصر الخارجي، لم تعد الأموال الأجنبية إلى الأسهم المصرية بالقوة نفسها التي عادت بها إلى أدوات الدين، حيث ما زالت في حدود 15% بينما تمثل 85% في أدوات الدين الحكومية ذات العائد المرتفع الذي لا تحظى به في أسواق دولية أخرى، حيث تزيد الفائدة على 25% عدا التسهيلات الكبيرة التي منحت لأصحاب الأموال الساخنة في ضمانات خروجهم بأموالهم وأرباحهم بأقصى سرعة من الدولة، وقتما يشاؤون.
أوضحت رمسيس أن العائد المرتفع الذي تقدمه أدوات الدين المصرية يجعلها منافساً قوياً للأسهم بالنسبة إلى المستثمر الأجنبي، خصوصاً أن الأخير لا يحسب عائده بالجنيه فقط، بل بالدولار، فإذا دخل المستثمر عندما كان الدولار عند 48 أو 49 جنيهاً، ثم ارتفع الدولار إلى 52.5 جنيهاً عند خروجه، فقد يخسر جزءاً من مكاسبه الاسمية في الأسهم عند تحويلها إلى الدولار، ولهذا، إن استقرار آلية الصرف وسرعة التسوية بالنسبة إلى الأجانب أصبحا جزءاً من قدرة البورصة على المنافسة.
وأشارت رمسيس إلى أن المستثمر الأجنبي كان يواجه في فترات سابقة مشكلات في تسوية مستحقاته، وأن تحسن هذه الآلية يمنحه قدرة أكبر على دخول السوق والخروج منها، والحصول على أمواله في توقيتها، لكن ذلك لا يعني أن عودة الأجانب إلى أدوات الدين تعني تلقائياً عودتهم إلى الأسهم، لذا، المطلوب الآن انتقال جزء من الدولار من أذون الخزانة إلى الشركات، لتدخل البورصة في قلب المعادلة.
رأت رمسيس أن الطريق إلى تحويل البورصة إلى شركة، لتساهم في جذب الدولار، يبدأ بإفصاح كامل عن إيرادات البورصة ومصروفاتها، وإعداد حساباتها بصورة دورية من خلال محاسب قانوني، بحيث تصبح لديها قوائم مالية تسمح بتقييمها بصورة حقيقية.
وهنا يجب التمييز بين قيمة البورصة وقيمة الشركات المدرجة فيها، فإذا بلغت القيمة السوقية للشركات المدرجة نحو 4.1 تريليونات جنيه، فهذا لا يعني أن قيمة أسهم مؤشر "إيجي إكس" للبورصة تساوي 4.1 تريليونات جنيه، فهذه قيمة الشركات التي تتداول أسهمها في السوق.
أما قيمة البورصة نفسها كشركة مساهمة محتملة، فتتحدد وفق إيراداتها وأرباحها وتدفقاتها النقدية وأصولها، وما تحصل عليه من رسوم التداول والقيد والخدمات المختلفة، لكن كلما كبرت السوق، زادت قدرة البورصة نفسها على توليد الإيرادات.
أكدت رمسيس أن نجاح تحويل البورصة إلى شركة مساهمة لن يقاس بالشكل القانوني وحده، بل بقدرتها على تكبير السوق التي تديرها، والأهم من القيمة السوقية، أن تصبح هناك سوق أكثر سيولة، وشركات أكثر، وأسهم حرة أكبر، وطروحات جديدة، ومستثمرون أجانب يستطيعون الدخول والخروج بسهولة.
في سياق متصل، قال مصدر رفيع بالبنك الأهلي الحكومي لـ"العربي الجديد" إن وصول الدولار إلى نحو 51 جنيهاً لا يلغي رؤية مورغان ستانلي المتفائلة، لكنه يذكر بأن مخاطر العملة لم تختف، مشيراً إلى أن تقرير مورغان ستانلي يتوقع أن يتحرك الدولار بين 48 و50 جنيهاً في السيناريو الأساسي، وبين 50 و52 جنيهاً إذا استمر ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي إن مستوى 51 جنيهاً يقع داخل نطاق السيناريو السلبي، لكنه لا يمثل وفق توقعات البنك عودة إلى انهيار حاد للجنيه، وبالنسبة إلى المستثمر الأجنبي، قد لا تكون المشكلة في ارتفاع الدولار نفسه، بل في عدم القدرة على التنبؤ بمساره.
وأكد المصدر أن المستثمر يستطيع التعامل مع الجنيه عند 51 جنيهاً إذا كان يعتقد أن السعر لن يتعرض لانخفاضات مفاجئة، وأنه يستطيع تحويل أرباحه وأصل استثماره إلى الدولار عند الخروج، لذا إن مرونة سعر الصرف، التي اعتبرها مورغان ستانلي أحد عناصر قوة الاقتصاد المصري، تصبح عاملاً مهماً أيضاً في إعادة بناء الثقة في سوق الأسهم، مشيراً إلى أن الهدف من وراء زيادة تدفقات تحويلات المصريين والأموال الساخنة وجذب الدولار للبورصة في النهاية، ليس أن تجمع مصر أكبر قدر ممكن من الدولارات، بل أن تحول الدولار القادم إليها إلى استثمار ينتج دولاراً جديداً، يمكن أن يحمي سوق الصرف ويبني مصنعاً، ويمول شركة مصرية تتوسع وتنتج وتصدر بالعملة الصعبة، بما يمكّن البورصة المصرية من التحول من مجرد مكان لتداول الأسهم إلى سوق رأسمال قادرة على جذب الأموال الأجنبية وتمويل الشركات.